الشيخ عبد الغني النابلسي

135

كتاب الوجود

ولقد كنت لما كتبت ما فتح اللّه تعالى على به من بيان مسألة وحدة الوجود في رسالتي « 1 » التي سميتها إيضاح المقصود عن معنى وحدة الوجود ، ولم يعلم بذلك أحد

--> ( 1 ) آثرنا نقل رسالته إيضاح المقصود عن معنى وحدة الوجود ؛ لأننا وجدناها تخدم هذا الموضوع ، وإيضاح ما يراه النابلسي عن معنى وحدة الوجود ، والتي كانت على مدار عقود كثيرة محل خلاف حاد وشديد بين العلماء ، وكان لكل عالم رأى فيها ، وهذه الرسالة أوضحت رأى النابلسي في وحدة الوجود ، فنقلتها من مخطوطها ، وهي كالآتي : بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه الموصوف بوحدة الوجود على حد ما تعرفه أهل المعاينة والشهود ، لا على المعنى الفاسد الذي عند أهل الإلحاد والزندقة وأهل الإنكار والجحود ؛ لأن كل شيء من جهة نفسه معدوم مفقود ، وإنما هو بوجود اللّه تعالى موجود ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الذي فتح اللّه تعالى بأنوار متابعته كل باب مسدود لمن حافظ على الأحكام الشرعية ، وأقام الحدود ، وعلى آله وأصحابه وتابعيه وأنصاره وأحزابه الموفين بالعهود ، وسلم تسليما ، أما بعد : فيقول العبد الفقير إلى مولاه القدير عبد الغنى بن إسماعيل بن النابلسي - أخذ اللّه تعالى بيده وأمده بمدده - : هذه رسالة عملتها في تحقيق المعنى المراد عند أهل اللّه تعالى ، المحققين الأمجاد بإطلاقهم وحدة الوجود ، وقولهم بأنه لا شيء مع اللّه تعالى موجود ، وبيان صحة هذه المقالة ، ونفى ما عداها من ضلالات ؛ أي للغواية والجهالة والحكم على ما يخالف ذلك بالاستحالة وسميتها « إيضاح المقصود عن معنى وحدة الوجود » . ومن اللّه أستمد الإعانة على هذه الإبانة ، وهو حسبي ونعم الوكيل ، واللّه يقول الحق وهو يهدى السبيل . اعلم أن هذه المسألة ؛ وهي مسألة وحدة الوجود ، قد أكثر العلماء فيها الكلام قديما وحديثا ، وردها قوم قاصرون غافلون محجوبون ، وقبلها قوم آخرون عارفون محققون ، ومن ردها إنما ردها لعدم فهم معناها عند القائلين بها ، وتوهمه منها المعنى الفاسد ، فلا التفات لرده كائنا من كان ؛ لصده عن الحق ، وإنما رده في الحقيقة واقع على ما فهمه من المعنى الفاسد ، لا على هذه المسألة ، فهو الذي صور الضلال ورده . وأما القائلون بهذه المسألة فهم العلماء المحققون ، والفضلاء العارفون ، أهل الكشف والصبر ، الموصوفون بحسن السيرة وصفاء السريرة : كالشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي ، والشيخ شرف الدين ابن الفارض ، والعفيف التلمساني ، والشيخ عبد الكريم الجيلي ، وأمثالهم - قدس اللّه تعالى أسرارهم ، وضاعف أنوارهم - وليتأمهم إلى يوم القيامة إن شاء اللّه ، فإنهم قائلون بوحدة الوجود ، وليس قولهم بذلك مخالفا لما عليه أئمة أهل السنة والجماعة ، وحاشاهم من المخالفة ، -